الجاحظ

227

البخلاء

المعنى في سواك لما قصد إليك ، فإنما جعلك معبرا لدرك حاجته ، ومركبا لبلوغ محبته . ولولا بعض القول لوجب لك الحق عليه حق يجب به الشكر . فليس يجبّ لمنّ كان كذلك شكر ، وإن انتفعت بذلك منه ، إذا كان لنفسه عمل . لأنه لو تهيأ له ذلك النفع في غيرك ، لما تخطَّاه إليك . وإنما يوصف بالجود في الحقيقة ، ويشكر على النفع في حجة العقل ، الذي إن جاد عليك فلك جاد ، ونفعك أراد ، من غير أن يرجع إليه جوده بشيء من المنافع ، على جهة من الجهات ، وهو اللَّه وحده لا شريك له . فإن شكرنا للناس على بعض ما قد جرى لنا على أيديهم ، فإنما هو لأمرين : أحدهما التعبّد ، وقد تعبد اللَّه بتعظيم الوالدين وإن كانا شيطانين ، وتعظيم من هو أسنّ منا وإن كنا أفضل منهم . والآخر لأن النفس ما لم تحصّل الأمور وتميز المعاني ، فالسابق إليها حب من جرى لها على يده خير ، وإن كان لم يردها ولم يقصد إليها . ووجدنا عطيّة الرجل لصاحبه لا تخلو أن تكون للَّه ، أو لغير اللَّه . فإن كانت للَّه ، فثوابه على اللَّه . وكيف يجب عليّ في حجة العقل شكره ، وهو لو صادف ابن سبيل غيري لما حملني ولا أعطاني ، وإما أن يكون إعطاؤه إياي للذكر ، فإذا كان الأمر كذلك ، فإنما جعلني سلَّما إلى تجارته ، وسببا إلى بغيته ، أو يكون إعطاؤه إياي من طريق الرحمة والرقة ، ولما يجد في فؤاده من العصر والألم ، فإن كان لذلك أعطى ، فإنما داوى نفسه من دائه ، وكان كالذي رفّه من خناقه « 1 » . وإن كان إنما أعطاني على طلب المجازاة وحب المكافأة فأمر هذا معروف ، وإن كان إنما أعطاني من خوف يدي أو لساني ، أو اجترار معونتي ونصرتي ، فسبيله سبيل جميع ما وصفنا وفصّلنا . فلاسم الجود موضعان : أحدهما حقيقة ، والآخر مجاز « 2 » . فالحقيقة ما كان من اللَّه ، والمجاز المشتق له من هذا الاسم . وما كان للَّه كان ممدوحا ، وكان للَّه

--> « 1 » رفّه : خفف ، ونفس . الخناق : ما يخنق به . « 2 » المجاز : ضد الحقيقة .